الشيخ محمد رشيد رضا

335

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مؤمنهم وكافرهم وقد يجيب اللّه دعاء الكفار فان الكفار يسألون اللّه الرزق فيرزقهم ويسقيهم وإذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه فلما نجاهم إلى البر أعرضوا وكان الانسان كفورا . « وأما الذين يقسمون على اللّه فيبر قسمهم فإنهم ناس مخصوصون فالسؤال كقول السائل للّه « أسألك بأن لك الحمد أنت اللّه المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والاكرام » « وأسألك بأنك أنت اللّه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد » « أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك » فهذا سؤال اللّه تعالى بأسمائه وصفاته ، وليس ذلك إقساما عليه فان أفعاله هي مقتضى أسمائه وصفاته فمغفرته ورحمته من مقتضى اسمه الغفور الرحيم وعفوه من مقتضى اسمه العفو . ثم قال : فإذا سئل المسؤول بشئ والباء للسبب سئل بسبب يقتضى وجود المسؤول فإذا قال « أسألك بأن لك الحمد أنت اللّه المنان بديع السماوات والأرض » كان كونه محمودا منانا بديع السماوات والأرض يقتضى أن يمن على عبده السائل وكونه محمودا هو يوجب أن يفعل ما يحمد عليه وحمد العبد له سبب إجابة دعائه : لهذا أمر المصلى أن يقول « سمع اللّه لمن حمده » أي استجاب اللّه دعاء من حمده فالسماع هنا بمعنى الإجابة والقبول ثم قال : وإذا قال السائل لغيره أسألك باللّه فإنما سأله بايمانه باللّه وذلك سبب لاعطاء من سأله ، فإنه سبحانه يحب الاحسان إلى الخلق لا سيما ان كان المطلوب كف الظلم فإنه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم وأمره أعظم الأسباب في حض الفاعل فلا سبب أولى من أن يكون مقتضيا لمسببه من أمر اللّه تعالى ، وقد جاء فيه حديث رواه أحمد في مسنده وابن ماجة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في دعائه « وأسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا ، فانى لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك » فإن كان هذا صحيحا فحق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين له أن يثيبهم فهو حق أوجبه على نفسه لهم كما يسئل بالايمان والعمل الصالح الذي جعله سببا لإجابة الدعاء كما في قوله تعالى ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا